الهجرة الي الله

تحت شعار قال تعالي:((ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين )) صدق الله العظيم .
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 نظرة نقدية للهيكل التنظيمي للحركة الإسلامية في السودان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سامي محمد



عدد المساهمات : 96
تاريخ التسجيل : 11/12/2015
العمر : 31

مُساهمةموضوع: نظرة نقدية للهيكل التنظيمي للحركة الإسلامية في السودان   السبت ديسمبر 12, 2015 4:24 pm

نظرة نقدية للهيكل التنظيمي للحركة الإسلامية في السودان




يتضح من المخطط (ج) أن البنية الهيكلية للحركة الإسلامية في السودان تتألف من أربع هيئات قيادية ، ومن بعض الهيئات الأخرى . أما الهيئات القيادية فهي :
أو لا : المؤتمر العام
*"يتكون المؤتمر العام بالتمثيل النسبي لأعضاء الجماعة في كل الشعب والمناطق والأقاليم ، مع مراعاة التخصصات المهنية والفئوية وفق لائحة يضعها مجلس الشورى .
* ينعقد المؤتمر العام مرة كل أربع سنوات ، أو بدعوة من مجلس الشورى ، أو المكتب التنفيذي.
* يمثل المؤتمر العام عند انعقاده السلطة الأعلى في تنظيم الجماعة ، وتكون قراراته ملزمة لكافة أجهزة التنظيم وأعضائه .
* يبحث المؤتمر العام عند انعقاد دورته نشاط الجماعة في السنوات الأربع الماضية ، على ضوء تقرير مكتوب يقدمه الأمين العام ، كما له أن ينظر في موجهات السياسة العامة للجماعة في دورتها المقبلة .
* يختص المؤتمر العام بانتخاب مجلس الشورى والأمين العام ، وبصلاحية تعديل الدستور بأغلبية الثلثين" (47) .
ثانيا : مجلس الشورى المركزي
*"يتكون مجلس الشورى من ستين عضوا : أربعين منهم عن طريق الانتخاب المباشر في المؤتمر العام ، وعشرين بالانتخاب التكميلي داخل مجلس الشورى ، وتكون دورته أربع سنوات .
* يكون مجلس الشورى السلطة العليا في التنظيم بعد المؤتمر العام ، وله صلاحية إجازة خطط الجماعة وسياساتها ولوائحها ، وتكوين المكتب التنفيذي .
* تؤول لمجلس الشورى بعد انفضاض المؤتمر العام سلطة مراجعة توصيات المؤتمر العام ، إذا اقتضت الضرورة ذلك . وفي حالة تعذر انعقاد المؤتمر العام ، يتولى المجلس سلطات المؤتمر العام الواردة في المادة (58) الفقرة هـ [=الأخيرة من صلاحيات المؤتمر] .
* يحاسب مجلس الشورى الأمين العام والمكتب التنفيذي على أداء أجهزة التنظيم ، بناء على تقرير سنوي يقدمه الأمين العام .
* يجوز لمجلس الشورى حجب الثقة عن الأمين العام بأغلبية ثلثي الأعضاء ، أو عن أي من أعضاء المكتب التنفيذي بأغلبية بسيطة ، وبناء على اقتراح يقدمه عشرة من أعضاء المجلس"(48) .
فمجلس الشورى - إذن - هو "الجهاز القائم مقام المؤتمر في فترته ، يجيز الخطط والبرامج والموازنات ، ويحاسب مَن دونه ، وينتخب ، ويملك عليهم سلطة في سياستهم ، بل في أصل ولايتهم" (49) .
ولمجلس الشورى سلطة خاصة في مجال العلاقات والتحالفات السياسية ، حيث رأت الحركة أن لا تترك ذلك الأمر لتقدير القيادة التنفيذية ، نظرا لخطورته . وقد نص دستور الجماعة على أنه : "يختص مجلس الشورى بالتقرير في الشؤون التالية :
* الدخول في الحكم ، أو تأييد النظام الحاكم أو معارضته .
* التحالف أو فض التحالفات مع القوى السياسية المختلفة .
* التنسيق أو التعاون مع أي حركة أو جهة رسمية خارج السودان ، أو العدول عن ذلك .
* إنشاء علاقة عضوية مع أي حركة إسلامية" (50) .
ثالثا : الأمين العام
*"ينتخب المؤتمر العام أمينا عاما للجماعة من بين ثلاثة مرشحين يرشحهم مجلس الشورى، ممن تتحقق فيهم شروط الأهلية .
? تسري ولاية الأمين العام لمدة أربع سنوات من تاريخ انتخابه .
* يكون الأمين العام المسؤول التنفيذي الأول في الجماعة ، ويتولى الإشراف على إنشاء أجهزة التنظيم ، واقتراح الخطط والمناهج لحركة الجماعة ، كما يتولى قيادة العاملين التنفيذيين ومحاسبتهم .
* يكون الأمين العام مسؤولا لدى المؤتمر العام ومجلس الشورى عن سير القيادة التنفيذية ، وعليه أن يرفع تقارير دورية عن أداء أجهزة الجماعة وأحوالها" (51) .
ويكون للأمين العام نواب له يساعدونه ، يرشحهم الأمين العام ، ويصادق عليهم مجلس الشورى المركزي . وقد يتولى كل منهم جانبا خاصا من العمل ، وتخصصا يكون المشرف التنفيذي عليه .
رابعا : المكتب التنفيذي
*"يتكون المكتب التنفيذي من الأمين العام ونوابه ، والأعضاء الذين يرشحهم الأمين العام، ويوافق عليهم مجلس الشورى .
* تكون دورة المكتب التنفيذي سنتين .
* تصدر قرارات المكتب التنفيذي بأغلبية الأعضاء الحاضرين .
يختص المكتب التنفيذي بالآتي :
* تقرير مواقف الجماعة ، ووضع البرامج والخطط والسياسات التي تحقق مقتضى الإسلام في الحياة ، وفقا لأهداف الجماعة ووسائلها .
* اقتراح العلاقات بالنظم الحاكمة ، والقوى الإسلامية والسياسية داخل وخارج السودان.
* الإشراف والتنسيق بين الأجهزة الإدارية للجماعة مركزيا وإقليميا .
* وضع الميزانية السنوية للجماعة وفقا لأهدافها وبرامجها ، والإشراف على تنفيذها" (52).
فالمكتب التنفيذي يمثل "القيادة التنفيذية التي تسيِّر دولاب الحركة ، وتحضر مقترحات سياساتها ، وتأمر مَن دونها من المستوى الإداري الذي يباشر الفعل والتطبيق" (53) .
وقد قسمت الحركة مكتبها التنفيذي في الستينات والسبعينات إلى قسمين :
* مكتب سياسي يهتم بعمل الحركة العام ، وصلتها بالسلطة والقوى الاجتماعية والسياسية من نقابات وأحزاب .. الخ . ويحظى بعضوية استحقاقية في المكتب السياسي كل من رئيس المكتب الإداري ، ورئيس مكتب الفئات وآخرون . (54) .
* ومكتب إداري يركز على الهم الداخلي ، من عضوية ، وجمع اشتراكات ، وتكوين للأعضاء ، وربطهم بالقيادة . وتتبع لهذا المكتب عدة مكاتب متخصصة وعامة نتحدث عنها فيما بعد .
لكن دستور 1982 ألغى هذه الازدواجية الهيكلية ، حيث "تم توحيد المكتب التنفيذي ، وإبطال تشعبه إلى شق إداري ، وآخر سياسي . ولم يرض بعض الإخوان عن ذلك ، إذ حسبوا أن تلك خطوة لتهميش دور السياسة في حركة التنظيم ، استجابة لضغوط النظام" (55) . ورغم أن الفصل بين الشقين تم إلغاؤه داخل المكتب التنفيذي ، إلا أن الفصل الوظيفي بين المهمتين الإدارية والسياسية ظل قائما ، بل ظل سمة دائمة من سمات الحركة السودانية ، وقد أوردنا كلام الأفندي حول استمرار ذلك النهج في الثمانينات (انظر : فقرة "استراتيجية الفصل والوصل" من الفصل الأول). كل ما في الأمر أن ما كان يعرف في السبعينات بالمكتب الإداري تحول في الثمانينات إلى مكاتب عدة ، تتولى الهم الداخلي ، بينما "أصبح همُّ المكتب [التنفيذي] الإشراف على العمل السياسي العام ، ورعاية الأهداف الكلية للحركة" (56) . لذلك أبقينا على الفصل الهيكلي في المخطط أعلاه ، تنبيها على أن الفصل بين الوظيفتين السياسية والإدارية ظل خطا ثابتا في عمل الحركة (57) .
أما الهيئات غير القيادية فهي :
* المكاتب المتخصصة : وهي مكاتب يشكلها كل من المكتبين السياسي والإداري لتتولى عنه بعض المهام الخاصة ، الداخلة ضمن سلطاته التنفيذية .
* المكاتب الإدارية : وهذه تسمية أطلقناها على المكاتب العامة التابعة للمكتب الإداري ، والتي تشمل : "مكاتب العضوية والولايات والاتصال ، ومكاتب التنظيم العام ، والمال والمعلومات ، والاستراتيجية والخطط ، والتنسيق والتبعية الداخلية ، والعلاقات الخارجية الخاصة" (58) .كما تشمل مكتب الدعوة ومكتب الفئات (العمال الطلاب …الخ).
*"المجالس الاستشارية : وقد صممت هذه المجالس لاستيعاب مقدرات قدامى الإخوان الذين رؤي أن يستفاد من طاقاتهم ، بالمساهمة بآرائهم في دفع حركة التنظيم ، ومناقشة السياسات العامة ، بدلا من تقييد حركتهم بالنشاط الجاري التقليدي" (59) .
* المحاور المستقلة : وهي هيئات مستقلة يقودها أعضاء من الحركة ، أو يشاركون في قيادتها، لكن لا يربطها رباط إداري مباشر بالهيكل الحركي . وهي تشمل الهيئات الطلابية والعمالية والنسوية المتعددة التي تتحرك في الفضاء الاجتماعي بطلاقة ، ضمن الاستراتيجية العامة التي تعتمدها الحركة ، وتحتفظ بعلاقة تنسيق مع الجسم الحركي من خلال "هيئة التنسيق مع المحاور والواجهات" .
* الواجهات العامة : وهي هيئات مستقلة ذات وظائف اجتماعية أو ثقافية عامة ، مثل الهيئات الخيرية ، والروابط الثقافية ، والمؤسسات الدعوية . وهي تسير على نفس النهج الذي تسير عليه المحاور ، من حيث الاستقلالية الإدارية عن الهيكل الحركي ، والتنسيق المرن معه ، ضمن الاستراتيجية العامة للحركة ، فقد "خرجت هذه الهيئات من المحور المركزي الآمر ، ولكنها لم تخرج عن المحور الاستراتيجي الموجه" (60) شأنها شأن المحاور المستقلة . ولا تجد الحركة غضاضة في تعدد الواجهات والمحاور ، كما سنشرحه فيما بعد بإذن الله .
* هيئة التنسيق مع المحاور والواجهات : وهي هيئة جامعة تعمل على إدماج عمل المحاور والواجهات المستقلة ضمن الاستراتيجية العامة للحركة ، من خلال التنسيق والتوجيه والتأثير النوعي ، دون أن تكون لها سلطة إدارية على تلك الهيئات . وقد وصف الترابي وظيفة هذه الهيئة بقوله : "في سبيل الوحدة بين منظومة محاور العمل الإسلامي ، تقوم الاستراتيجية العامة هاديا لها جميعا ، بعد الاهتداء بالإسلام ، ويقوم كيان تنسيقي جامع ، لا يملك عليها إلا التوجيه ، أو أن يتيح مجالا لتبادل المعلومات ، وتنسيق الأدوار ، وعلاج المشكلات . ثم يقوم العنصر الحركي منبثا في قاعدة هذه الكيانات أو قيادتها ، غير غالب بعدده ، بل بأثره ووعيه بمقتضيات حركة الإسلام" (61) .
* المؤتمر العام للمحافظة : وهو يشبه المؤتمر العام المركزي ، لكنه ينحصر في حدود المحافظة التي تنتمي إليها الهيئات القاعدية التابعة له . وللمؤتمر الإقليمي صلاحيات المؤتمر العام داخل إقليمه ، من انتخاب مجلس شورى الإقليم ، وانتخاب أمين الإقليم ، وغير ذلك من الصلاحيات التي يتمتع بها المؤتمر العام المركزي ، مع بعض القيود التي تحافظ على التوازن بين التنظيم المحلي والهيئات المركزية .
* مجلس شورى المحافظة : وهو المرادف المحلي لمجلس الشورى المركزي ، وله نفس صلاحياته ، من حيث الرقابة على السلطة التنفيذية المحلية ، وإجازة خطط الحركة وسياساتها على مستوى المحافظة . وهو "لا يقل عن أربعين عضوا داخل السودان ، وخارجه عشرين"(62) .وليس للقيادة التنفيذية المركزية سلطة حل مجالس الشورى الإقليمية ، ولكن "للأمين العام أن يرفع توصية لمجلس الشورى العام ، طالبا الحل لأي من مجالس الشورى المحلية" (63) ثم يقرر مجلس الشورى المركزي في ذلك .
* أمين عام المحافظة : وهو رئيس السلطة التنفيذية على مستوى المحافظة ، وينتخبه المؤتمر العام في المحافظة "من بين ثلاثة يرشحهم الأمين العام [للحركة]بعد التشاور مع أمانة التنظيم [المركزية] والاستئناس بالرأي المحلي . ويتم عزله بقرار من المكتب التنفيذي المركزي ، بموجب توصية الأمين العام ، أو بقرار من ثلثي أعضاء مجلس الشورى" (64) . ويعمل معه - عادة - مسؤولون عن كل من : التنظيم العام ، والسياسة ، والفئات ، والطلاب ، والمال والاقتصاد ، والدعوة ، والنساء ، والسكرتارية (65) .
* المكتب التنفيذي الإقليمي : وهو مرادف المكتب التنفيذي المركزي على مستوى المحافظة، ويتألف من أمين عام المحافظة رئيسا ، ثم من نوابه وأعضاء المكتب الآخرين الذين يقترحهم أمين الإقليم ويصادق عليهم مجلس الشورى المحلي . وتتبع للمكتب التنفيذي المحلي عدد من المكاتب ، منها - في الغالب - مكاتب : التنظيم العام ، والمالية ، والفئات ، والمعلومات ، والطلاب ، والمكتب الاجتماعي ، والسياسي ، والثقافي ، والاقتصادي ، والنسائي ، والصوفية ، والقبائل .
* الحلقة : وهي المرادف للأسرة في تنظيم الإخوان المسلمين بمصر ، والمقام في تنظيم الجماعة الإسلامية بباكستان . وفي الحلقة يتعلم العضو المبتدئ الالتزام بالدين ، والولاء للجماعة ، والارتباط بالعاملين .
* الشعبة : وهي الشعبة نفسها في تنظيم "الإخوان" و"الجماعة" ، وهي حاصل مجموع الحلقات في بلدة معينة .
* المنطقة : وهي المكافئ للفرع في تنظيمي "الإخوان" و"الجماعة" ، وهي حاصل مجموع الشعب في محافظة معينة .
نظرات في هيكل الحركة السودانية
إن المتأمل في الهيكل التنظيمي للحركة الإسلامية في السودان سيلاحظ اختلافات أساسية عن الفكر التنظيمي التقليدي الذي أسسته مدرسة الإخوان المسلمين بمصر ، وأخذته عنها العديد من الحركات الإسلامية . ومن هذه الاختلافات :
أولا : اتساع السلطة التأسيسية
فبينما حصرت حركة الإخوان بمصر كل السلطة التأسيسية بأيدي عدد محدود من الأفراد غير المنتَخَبين ، هم أعضاء الهيئة التأسيسية ، جعلت الحركة السودانية لكل عضو من أعضائها حقا في السلطة التأسيسية : حيث يتمتع كل عضو بحق المشاركة فيها بنفسه ، أو من خلال انتخاب من سيمثله في مؤتمرات المحافظات وفي المؤتمر العام . ولا ريب أن هذا اختلاف جوهري بين الحركتين، لأنه يتعلق بالشرعية القيادية التي هي أقوى سبب للوحدة ، وأكبر داع للولاء ، وخير ضمان للمرونة الداخلية اللازمة للتطور والنماء . وفي اعتماد مبدإ التمثيل النسبي للأعضاء في المؤتمر ما يكشف عن حرص الحركة السودانية على توزيع السلطة بعدل بين أعضاء التنظيم ، وهو السبب الحقيقي في تماسكها الداخلي ، وفي قوتها وفتوتها .
ثانيا : من البساطة إلى التركيب
"فقد كانت الحركة في عهدها الأول تدير شأنها كله في محور واحد . وكان ذلك ممكنا ، لضآلة وظائف الحركة ، ومحدودية تدينها الفعلي ، مهما ادعت الشمول . وكان ذلك أيضا تقديرا واجبا لضمان وحدة الحركة ونقائها ، حين كانت غريبة موحشة في مجتمع فتنة . لكنها في عهود الانفتاح الدعوي والانشراح الحركي ألفت وظائفها متكاثرة لا يسع الجهاز القيادي المركزي أن يليها جميعا بكفاءة أو فاعلية تامة" (66) . هذا التطور من البساطة إلى التركيب لا تجد له نظيرا في العديد من الحركات الإسلامية ، التي جمدت على أشكال بسيطة في طور التأسيس ، فجمدت رسالتها وأثرها الاجتماعي .
ثالثا : التوسع الرأسي
فقد طبقت الحركة النظام اللامركزي كما هو واضح من المخطط . وقد لخص دستور الحركة الدواعي إلى تبني اللامركزية في ثلاثة :
*"بسطا لمبدإ الشورى ..
* وتوسيعا لقاعدة المشاركة في العمل والمسؤوليات ..
* وتربيةً لعناصر الجماعة في تولي المهام التي تليهم ، وتحمل هموم الدعوة في مناطقهم" (67).
وقد كان تطبيق اللامركزية محطة تاريخية هامة في عمر الحركة ، ومعلما بارزا من معالم تطورها . وكان من دواعي اللامركزية - إضافة إلى ما ورد في دستور الحركة - إقرار حكيم من القادة بأن "تنظيما مركزيا واحدا لن يقدر على تلبية حاجات العمل الإسلامي ، والإحاطة بمختلف مناشطه بشكل فعال … فحتى لو تمكن الإسلام في السلطة لن يتجسد أمره كله في سلطان شمولي، يحتكر كل شيء ، ويدعي إمكان الوفاء به" (68) .
وقد أثمرت تلك اللامركزية عددا من الثمرات ، يمكن إجمالها فيما يلي :
* حماية الوحدة بالشورى : "إن تلك التطورات التركيبية اللامركزية كانت موازنة بين دواعي الوحدة ودواعي البسط ، بوجوه تحفظهما جميعا ، وتحفظ بعضهما ببعض . فمن وجه كان بسط شعب التنظيم الفرعية في جملة كيانات متخصصة أو محلية ، أو مستقلة ، بسطا للمشاركة والشورى . والمشاركة والشورى ضمانتان للوحدة ، بغيرهما يقع الشعور بالمجانبة والانفضاض . فضلا عما فيهما من تجميع الجهد والرأي ، وعدم الاستغناء بكسب الجهاز المركزي القيادي" (69) .
* سلامة البناء الحركي : عبر توزيع السلطة على مكوناته بعدل ، بما ضمن حمايته من الاختلال البنيوي ، الذي أصاب بعض التنظيمات الإسلامية ، كما رأينا في النخبوية العضوية لدى"الجماعة" الباكستانية ، والجمود القيادي لدى "الإخوان" المصريين . ذلك أن "التنظيم لا يكون قويا إلا إذا خُوِّل كل طرف من الأطراف المكونة له نصيبا من السلطة ، يتناسب مع مسؤولياته . وإلا فإن أحد الأطراف سينال سلطة زائدة ، تؤدي إلى الفساد والاستبداد" (70) سواء كانت تلك الأطراف هيئات قيادية ، أو فروعا تابعة .
* تفريغ القيادة المركزية للهموم الكبرى ، بدلا من استنزافها في الجزئيات الإدارية . "إن تفريغ القيادة من هم الوظائف الصغيرة الراتبة ، ومن ضغط الرقابة على الفروع - بعد اللامركزية - قد أهَّلها لأن تطور خططها ، وتدبر حالها . بحيث لم تُقدِم الحركة بعدئذ على مشروع تنظيمي أو حركي ذي بال ، إلا بناء على تدبير وتخطيط مسبق" (71) "وربما يكون نهج التخطيط ناشئا عن تكامل تجارب الحركة وثقافة قيادتها التنظيمية ، ولكنه لم يزدهر إلا عقب اللامركزية ، التي فرغت القيادة العليا من الهموم الصغيرة الكثيرة ، حيث ألقت بها إلى الفروع المحلية أو الوظيفية ، وتحررت هي للنظر الإجمالي في مغزى حركة الجماعة ومنظومتها الشاملة ، وفي مراجعة كسبها وتجربتها ، وللتقدير الكلي لمسير الحركة ومصيرها ، في إطار ظروف الواقع ، وآجال الزمن ، ومقاصد الإسلام" (72) . وهكذا تفرغ كل لمسؤولياته وتخصصاته ، فالقيادة المركزية اتجهت إلى التخطيط الاستراتيجي والتوجيه العام "أما الوظائف التقليدية (العضوية والاشتراكات والتجنيد) فقد تفرغت لها القيادات والمؤسسات المحلية"(73).
* نقل الخبرة المركزية إلى الأطراف : حيث "قدرت الحركة أن التطور البعيد الذي كسبته الأجهزة المركزية … ينبغي أن يُهدَى للفروع الإقليمية ليدفع قاعدة الحركة قدما" (74) . وهذا ما وقع بعد تطبيق اللامركزية ، حيث نُقلت صورة الهياكل المركزية إلى المحافظات "وكل ما صاحب ذلك من خبرة في الإدارة والتنظيم" (75) "كما نُقل إلى الفروع غالب الكسب المركزي ، من الانضباط اللائحي والمنهجية وترقية الأداء" (76) . وهي خبرة ثمينة ، نقلت الأطراف من طور التلقي السلبي ، إلى طور المبادرة والعطاء .
* توسع العضوية في المناطق البعيدة ، التي كانت خارج نطاق الكسب الحركي . ويرجع الفضل في ذلك إلى قرار نقل المسؤوليات إلى الفروع ، ومنحها الصلاحيات للتركيز على من يليها ، حيث "تضطلع الأجهزة الإقليمية بكافة شؤون الدعوة والجماعة في الإقليم ، في حدود الصلاحيات التي توضحها اللوائح" (77) . وقد أشار الأستاذ عبد الوهاب الأفندي إلى أن "اللامركزية وسعت من نطاق العضوية في المناطق البعيدة" (78) وهو مكسب له قيمته الكبرى في حركة ظلت محصورة - لأمد بعيد - في قطاع المثقفين وسكان الحضر .
رابعا : التوسع الأفقي
فقد أنشأت الحركة - ضمن نظامها اللامركزي - عددا من المحاور والواجهات ، المستقلة عنها إداريا ، المرتبطة بها استراتيجيا . وقد أفاد هذا التوسع الأفقي الحركة إفادات عظمى ، منها على سبيل المثال ، لا الحصر :
* التمكن من التفاعل مع فطرة الخير ، حيث "قدرت [الحركة] أنها - كما خرجت بتربية أعضائها نحو مشاركة المجتمع ، لتنفع وتنتفع بالتفاعل - يجدر بها أن تخرج ببعض هذه الوظائف المتكاثرة عن دائرتها التنظيمية والعضوية المباشرة ، وتتفاعل بها مع فطرة الخير والدين المنبثة في المجتمع" (79) . وكلما كان التفاعل بعيدا عن الأطر الحركية الضيقة ، والعصبيات الحزبية المتحيزة، كان أقرب إلى قلوب عموم الناس ، الذين لا يتبنون خيارا سياسيا محددا .
* توسيع هامش المناورة السياسية : فقد قضت على الحركة علاقاتها وتحالفاتها الظرفية بنوع من المداراة في المواقف ، والغموض في الطرح السياسي أحيانا ، ثم وجدت في هذه المحاور المستقلة متنفسا ، عبرت فيه للناس عن موقفها الأخلاقي الأصيل ، متحررا من تلك القيود . ومن أمثلة ذلك أن دعم نميري للسادات في زيارته لإسرائيل كان إحراجا كبيرا للحركة الإسلامية ، التي بدأت لتوها نهج المصالحة معه ، وما كان في وسع قيادة الحركة أن تعارضه علنا ، لاعتبارات استراتيجية كثيرة ، فكان الحل أن "اجتهد الإخوان في تمييز موقفهم عبر الاتحادات الطلابية التي رفضت الاتفاقية" (80) ولولا الاستقلالية التي يتمتع بها محور الطلاب عن هيكل الحركة وواجهاتها، لما استطاعت الحركة أن تحافظ على ماء وجهها وتميز خطابها السياسي .
* إتاحة منابر إضافية للعمل والمنازلة . إذ كان العديد من تلك المحاور والواجهات "وطنية الواجهة ، نافست التحرك الشعبي الشيوعي ، وأتاحت للحركة منابر عمل غير مباشر ، حتى حيثما لم تكن لديها القوة لتجعلها إسلامية خالصة" (81) ولم يكن من الحكمة أن تحصر حركة تغيير نفسها ضمن الهياكل التابعة لها ، ففي ذلك انعزال عن المجتمع ، واستهداف لرمية العدو.
* تحقيق فعالية الأداء في عمل هذه المؤسسات ، إذ "كثيرا ما يكون في عزل بعض الوظائف، وإيلائها إلى كيان مستقل متخصص مزيد كفاءة في ممارستها ، من زيادة التفرغ لها والتخصص فيها ممن يليها" (82) . وهو أمر يسهل فهمه في عصر التخصص الذي نعيش فيه ، حيث يستلزم الإتقان في أي مجال من مجالات الحياة تركيزا وتفرغا .
* استيعاب الواقع من خلال الحضور في كل المواقع ، وهو ما لاحظه النفيسي ، فقال : "التركيب القيادي في الجبهة السودانية (القومية الإسلامية) يحسن التواصل مع التطورات في الساحة ، ويدرك أهمية التفاصيل في تلك التطورات وضرورة متابعتها . بينما يلاحظ أن قيادة جماعة الإخوان في مصر لا تحسن ذلك ، ولا تهتم بتفاصيل الموقف وتطوراته في ساحة مصر ، ودائما تنطلق من عموميات غير مبنية أساسا على نظرة موضوعية واقعية" (83) . وهذا القصور في إدراك تفصيلات الواقع ، لدى قيادة حركة الإخوان في مصر وغيرها ، أثر مباشر من آثار الإغراق في المركزية .
* إتاحة الحرية لجوانب مخصوصة من العمل . "فبعض الوظائف بطبيعته يستدعي قدرا من الحرية والاستقلال ، كالنشاط الفني الذي قد يكون في قربه من محور الجماعة الدينية ما يحرِّج عليه أو عليها" (84) . لذلك كان استقلال المؤسسات التي تشرف على هذه الأعمال ، خدمة للحركة وللعمل نفسه .
ولم يكن هذا التوسع الرأسي والأفقي سهلا في البداية ، بل صاحبته بعض المعاناة ومصاعب الانتقال أولا ، قبل أن يستوي على سوقه ، إذ "ظروف الانتقال عادة ما تكون مصحوبة بالحيرة والمعاناة في سبيل التكيف .." (85) . لكنه استقر ونضج في النهاية ، فأفاد الحركة ثمرات كثيرة كما رأينا .
خامسا : التوازن بين السلطات
والتوازن بين السلطات أمر لا مناص منه ، إذا ما أرادت الحركة تطورا صحيا في بنيتها ، وأداء مستقيما في عملها . وقد تجسد هذا التوازن في هيكل الحركة السودانية من خلال ما يلي :
* التوازن بين المركز والأطراف ، بحيث ظل لكل منهما صلاحيات كافية لأداء دوره ، دون طغيان على الآخر . ومن أمثلة ذلك أن الأعضاء المحليين يمتلكون هامشا كبيرا في اختيار قادتهم ، ولا يُفرَضون عليهم فرضا . في نفس الوقت الذي يبقى للسلطة التنفيذية المركزية نصيبها ، من خلال ترشيح الأمين العام المركزي الأسماءَ الثلاثة التي سيكون من بينها الأمين العام المحلي . ولمجلس الشورى المحلي كامل الصلاحيات في الرقابة على السلطة التنفيذية المحلية، بل عزلها إذا اقتضى الأمر . كما أن لمجلس الشورى المركزي عزلها بتوصية من الأمين العام للحركة .
* التوازن بين السلطة التنفيذية والرقابية : ومن أمثلة ذلك أن للأمين العام للحركة - باعتباره قائد السلطة التنفيذية - صلاحية اختيار نوابه وأعضاء مكتبه التنفيذي الآخرين ، في نفس الوقت الذي لا يكون فيه هذا الاختيار نافذا إلا بعد إقرار مجلس الشورى . وللأمين العام للحركة تقديم توصية بعزل أحد الأمناء المحليين - باعتباره جزءا من السلطة التنفيذية التابعة له - لكن هذه التوصية لا تصبح نافذة إلا بإقرار من مجلس الشورى ، على اعتبار أن الأمناء المحليين تقلدوا مناصبهم من خلال عملية مركبة من التعيين والانتخاب … وهكذا .
ولك أن تقارن ذلك بهيكل الإخوان في مصر ، حيث لا تتمتع التنظيمات الفرعية بأي استقلالية ، بل هي امتدادات إدارية مباشرة للمركز العام . والمركز العام هو الذي يعين قادتها ، ولو من خارج أعضاء الحركة في المنطقة . كما أن التوازن بين السلطة التنفيذية والرقابية من جهة ، معدوم في الحركة المصرية ، ولا توجد سلطة تأسيسية تُلجم التنفيذية والرقابية . وينسحب نفس القول حول انعدام التوازن بين السلطتين على "الجماعة" في باكستان ، فقد رأينا كيف يعين الأمير "مجلس العمل" الذي يفترض أن يكون رقيبا عليه !!
سادسا : حضور العمل التنظيري
إن اختصاص هيكل الحركة السودانية بوجود "مجالس استشارية" تهدف إلى الاستفادة من الخبرة النظرية لدى قدماء الإخوان ، وآرائهم في السياسات العامة التي تنتهجها الحركة ، يدل على إدراكها لأهمية العامل التنظيري في العمل . إذ بدون هذا العامل ، سيظل عمل الحركة مبنيا على منهج التجريب والخطإ ، بعيدا عن أي تخطيط أو رؤية استشرافية مستقبلية . ومن الواضح أننا لا نعني التنظير المجرد من الغايات الموضوعية ، الذي بينا مساوئه على العمل الإسلامي والمجتمع الإسلامي بشكل عام في مدخل هذه الدراسة ، وإنما نعني الفكر العملي : تخطيطا وتقويما واستنطاقا لدلالات الواقع ، واستشرافا لاحتمالات المستقبل . وخير من يتولى مهمة التنظير - بهذا المعنى - هم أولئك الذين جمعوا بين المواهب النظرية والخبرة الميدانية . وتشبه المجالس الاستشارية في الحركة السودانية ما يدعى "لجان التفكير" Think Tanks التي لا تكاد تخلو منها منظمة أو مؤسسة في الدول المتقدمة حاليا . وربما يجد الباحث هذا الاهتمام عند الحركة ، من خلال حرصها على توظيف طاقات ذوي المواهب من مثقفيها في الكتابة عن تاريخ الحركة كتابة تقييمية ، والتنظير لمستقبلها تنظيرا موضوعيا . ففي عام 1989 تقدم إلى جامعة لندن اثنان من خيرة مثقفي الحركة بأطروحتي دكتوراه عن تاريخ الحركة ومستقبلها . وهما الدكتور التجاني عبد القادر : " الإسلام والطائفية والإخوان المسلمون في السودان المعاصر" (لم تنشر بعد) والدكتور عبد الوهاب الأفندي الذي نشر قسما من أطروحته في شكل كتاب سماه "ثورة الترابي" ، أما الدكتور حسن مكي فقد انصبت كل جهوده العلمية على هذا المجال، حتى أصبح مؤرخ الحركة بدون منازع . ومن الواضح خلو هيكل كل من "الإخوان" و"الجماعة" من مثل هذه المجالس ، وهو أمر يعبر عن قصور في إدراك أهمية الأفكار في العمل . وربما اعترض البعض مشيرا إلى أن عددا من الحركات الأخرى دونت تاريخها ومآثر رجالها باستفاضة ، فما الذي استحق الإشادة في التجربة السودانية هنا ؟ والجواب أن كثرة الكتابات عن تاريخ تلك الحركات ورجالها ليست هي مناط الاهتمام بالنسبة لنا ، بقدر ما يهمنا نوع تلك الكتابات وغايتها . وقد اطلعنا على العديد منها ، فلم نجد أكثر من قصائد مدح للحركة ، أو هجاء لأعدائها ، أو دفاع عن رؤية شخصية لتاريخ الحركة ، ضد رؤى عبر عنها آخرون من قبل .. وكل ذلك خارج عن نطاق "الفكر الفني الذي يعجل بحركة التاريخ" حسب تعبير بن نبي ، وهو الذي قصدناه بالعمل التنظيري هنا .
سابعا : نظام الأسر المفتوحة
فقد رأت الحركة أن من الخير لمنهاجها التربوي أن يكون منفتحا على المجتمع ، إذ ليس هدفه منحصرا في تكوين الأعضاء ، بل يستهدف اكتساب آخرين للحركة ، وزيادة مساحة الخير في المجتمع . لذلك تبنت - بعد تجاوز طور الانغلاق والتوجس - التمييز بين نمطين من الأسر/الحلقات : نمط مغلق سري ، خاص بالمبتدئين الذين يحتاجون إلى نوع من الحجز التربوي ، ونمط مفتوح علني - في نشاطه على الأقل - وهو لغير المبتدئين ، ممن أصبحوا قادرين على التأثير والتفاعل الإيجابي . يحكي لنا الترابي أبعاد هذا التطور في قوله : "طرأت على نظام الأسر - أو الحلقات - أطوار حسب تطور التربية ، فبدأت تلمذة للنقيب الذي يعلِّم ويزكي ويضبط - وظلت نحو ذلك للمبتدئين - وانتهت محور تعاون وثيق لكل عضو ، حسب تكليفه وكسبه ، ليس لرئيسها إلا الإدارة . وبدأت سرية مغلقة - وظلت على شيء من الخصوصية للمبتدئة - وانتهت موسعة مفتوحة" (86) . كما يشرحه مكي بقوله : "ألغيت [عام 1975] وظيفة الأسرة بوصفها أداة تأصيل ثقافي ، وحلت محلها الأسرة وحدة تنظيمية حركية ، ذات وظائف إدارية وسياسية : "جمع الاشتراكات ، رصد المعلومات ، تنزيل البلاغات ..الخ" بينما أصبحت الثقافة نشاطا مفتوحا يمارَس خارج نطاق الأسرة لمصلحة المجتمع العريض ، وإن قامت الأسرة بتنظيمه والإشراف عليه" (87) . وبهذا التمييز أصبحت وظيفة الأسرة التي تتألف من غير المبتدئين وظيفة "عضوية وليست ثقافية"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
نظرة نقدية للهيكل التنظيمي للحركة الإسلامية في السودان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الهجرة الي الله :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: