الهجرة الي الله

تحت شعار قال تعالي:((ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين )) صدق الله العظيم .
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 مقدمة كتاب الحركة الاسلامية في السودان مدخل لفكرها الاستراتيجي والتنظيمي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سامي محمد



عدد المساهمات : 96
تاريخ التسجيل : 11/12/2015
العمر : 31

مُساهمةموضوع: مقدمة كتاب الحركة الاسلامية في السودان مدخل لفكرها الاستراتيجي والتنظيمي   السبت ديسمبر 12, 2015 3:54 pm

مقدمة المؤلف
فقلت له إن الشجى يبعث الشجى
فدعْـنِـي فهـذا كله قبر مالكِ

متمم بن نويرة



هذه دراسة موجزة كتبتها على عجل في ظروف انشغال وترحال ، حاولت فيها تقديم صورة عن الفكر التنظيمي والاستراتيجي الذي يمكن استنباطه من خلال تجربة الحركة الإسلامية في السودان، مع إبراز مواطن الإبداع والتميز التي اختصت بها هذه الحركة ، وامتازت بها عن أساليب العمل التقليدية ، الشائعة لدى بعض الحركات الإسلامية .
ولأن الحدود الموضوعية لهذه الدراسة تنحصر في الفكر الاستراتيجي والتنظيمي ، فليست هي بالعرْض التاريخي ، ولا البحث الشامل في تجربة تلك الحركة في كل المجالات . لذلك نرجو من القراء الكرام الذين يهتمون بالتقصي التاريخي لهذه التجربة ، أو الذين يطمحون إلى الوصف الشامل لجوانب عملها ، أن يعذرونا إذا لم يجدوا بغيتهم في هذا الكتاب .. وننصح هؤلاء وأولئك بالرجوع إلى كتب الدكتور حسن الترابي ، والأستاذ حسن مكي ، والدكتور عبد الوهاب الأفندي ، والدكتور التجاني عبد القادر . ثم بالرجوع إلى الدراسات الغزيرة التي كتبها كتاب غربيون عن الحركة الإسلامية في السودان ، أو عن تاريخ السودان الحديث ، ويمكن الاطلاع على بعضها في مسرد المراجع الملحق بهذا الكتاب .

ورب متسائل هنا عن قيمة هذه الدراسة والجديد فيها ، ولم لا نحيل على مؤلفات مفكري الحركة وكتابها فنريح ونستريح .. والجواب أن مؤلفات أولئك المفكرين والكتاب – والتي ندين لها بالكثير في هذا العمل – لا تمنع من تجديد القول في الموضوع ، من زوايا أخرى لم يركزوا عليها ، ولا تسد الباب أمام تناول هذه التجربة بمنهجية وأسلوب مختلف عن منهجيتهم وأسلوبهم . لذلك فإن الجديد في هذه الدراسة يتلخص في ثلاثة أمور أساسية :

• أولها : أني وضعت التجربة الإسلامية السودانية ضمن إطار نظري أوسع ، من خلال الحديث في المدخل – وفي ثنايا الكتاب – عن العلاقة الوثيقة بين المبدإ والمنهج . وهو أمر غاب عن بال العديد من الإسلاميين ، قادة وأتباعا ، ولم تركز عليه كتابات الإسلاميين السودانيين عن تجربتهم ، رغم أنهم كانوا واعين به ، كما برهنا على ذلك في الفصل الأول من هذا الكتاب ، بل إن الجهد النظري الذي بذله الدكتور الترابي ينصب في فقه المنهج . ومن وضع التجربة في إطار أوسع ما اعتمدناه من الرجوع إلى مصادر شتى ، تضمنت مراجع إسلامية قديمة وحديثة ، وكتابات بعض المهتمين الغربيين بالحركات الإسلامية ، خصوصا أولئك الذين اتسمت كتاباتهم بشيء من العمق والتجرد .

• والثاني : أني لم أقف في هذه الدراسة عند وصف وتقييم التجربة الإسلامية السودانية ، بل كثيرا ما سبحت في استطرادات مقارِنة ، لإعطاء القارئ الكريم فكرة عن تجارب حركات إسلامية أخرى ، وحظها من النجاح والإخفاق في التعامل مع القضية المتناوَلة . فالدرب واحد ، والهم مشترك ، و"الشجى يبعث الشجى" ، كما قال الشاعر متمم بن نويرة الذي كان يبكي كل قبر رآه ، لأنه يذكِّره بأخيه القتيل مالك ، فكان بينه وبين رفيق رحلته هذا الحوار الحزين :

فقال أتبكي كل قـبـر رأيتــه *** لميْتٍ ثوى بين اللوى فالدكـادكِ

فقلت له إن الشجى يبعث الشجى *** فدعْـنِـي فهـذا كله قبر مالكِ

ولم يكثر كتاب الحركة الإسلامية في السودان من المقارنات ، باستثناء شذرات قليلة يجد القارئ نماذج منها في فصول البحث . ولعل ذلك يرجع إلى أسباب ، منها أنهم أرادوا أن لا يثيروا حفيظة إخوانهم الذين لا يتقبلون النقد ، كما حرصوا على عدم اتهامهم بتزكية النفس فيما يبدو .

• أما الثالث : فهو أني صغت هذه الدراسة ، بأسلوب تعليمي مبسط ، يعتمد كثرة التقسيم والتفريع المنهجي ، تسهيلا لاستيعاب الأفكار الواردة ، وطبعها بالطابع العملي . وحرصت على جعلها خفيفة الوزن ، كثيفة المادة ، وانتقيت ما اعتقدت أنه مفيد للمهتمين بالتجربة اهتماما عمليا . لذلك فهي إلى الدليل العملي أقرب منها إلى العمل الأكاديمي . بينما طغى الأسلوب السردي على كتابات بعض كتاب الحركة ، مثل الدكتور مكي - الذي جذبته صنعة المؤرخ أحيانا – رغم عمق تحليلاته ، وسعة اطلاعه . كما اتسم بعضها بالتجريد في الأفكار والمصطلحات أحيانا ، مثل بعض كتابات الدكتور الترابي . فليس من السهل على شباب الصحوة الإسلامية غير المتمكنين من ناصية اللغة العربية ، المتمرسين بالمفاهيم الفلسفية والأصولية ، أن يستوعبوا جميع كتابات الترابي بعمق ، وهي كتابات تجمع بين تجريدات "هيجل" الفلسفية ولغة الشاطبي الأصولية ، رغم مضمونها العملي .

فهل تعني هذه الإضافات فضلا لهذه الدراسة على الدراسات السابقة ، التي كتبها مفكرو الحركة الإسلامية في السودان من قبل ؟ كلا ! فتلك دعوى عريضة لا نستطيع ادعاءها ، فالقوم أدرى بالموضوع ، وأكثر إحاطة به ، ودراساتهم هي عمدتنا هنا ، وعليها بنينا هذا الجهد المتواضع ، ومنها اغترفنا جل معلوماتنا وتحليلاتنا . وإنما أردنا بيان اختلاف هذه الدراسة في الغاية والمنهج عن دراساتهم ، وذلك مبرر وجودها .

ومهما يكن فإن تراث الحركة المنشور ليس غزيرا بما يكفي لتقديم صورة مفصلة دقيقة عن تجربتها من خلال الكتب فقط ، فهي "لا تكتب من الفكر ما تكسب" حسب تعبير الدكتور الترابي . ولم يتح لنا – بكل أسف – الاتصال المباشر بقادة الحركة وأبنائها ، لنطلع أكثر على فقهها العملي غير المنشور . ولذلك اتسمت هذه الدراسة بالتكثيف والاختصار . وهي – على أية حال - جهد المقل ، وما لا يدرك كله لا يترك كله .

*****

وقد قسمت الدراسة إلى مدخل وسبعة فصول :

• المدخل : "فقه المبدإ" و"فقه المنهج" وهو يتضمن خواطر عامة عن العلاقة الجدلية بين الإيمان بالمبدإ وحسن إعداد الوسيلة لخدمته . وفيه بيان لتخلف الثقافة العملية لدى أبناء الصحوة الإسلامية ، والحاجة الماسة إلى تداركه . فهو تأصيل نظري لما تلاه من أمور عملية خلال فصول البحث .

• الفصل الأول : الملامح والروافد وفيه بيان للخلفية الفكرية التي انطلقت منها الحركة في عملها ، ومنهج الربط بين فقه المبدإ وفقه المنهج الذي اعتمدته ، وحديث عن الملامح العامة للحركة ، وخصائصها المميزة ، وبيان لروافد فكرها التنظيمي ، وحسن استفادتها من عبرة الماضي وتجارب الآخرين .

• الفصل الثاني : الثنائيات الكبرى وفيه شرح لمنهج الحركة في التعامل مع ست من الثنائيات التي تشكل معضلات فكرية وعملية أمام الحركات الإسلامية ، ويتوقف على حسن التعامل معها مسار كل حركة ومآلها . وهي : الشكل والمقصد ، الإسرار والإعلان ، الالتزام والمبادرة ، الوحدة والتباين ، العمق والامتداد ، الفصل والوصل .

• الفصل الثالث : البنية الهيكلية وهو شرح مصحوب بالمخططات التوضيحية لهيكل الحركة وشعبه وفروعه ، وبيان لجوانب تأثرها وتأثيرها في الحركات الإسلامية الأخرى ، وإبراز لمواطن التجديد والتميز والتكيف لديها ، مع مقارنة مستفيضة بالهيكل التنظيمي لكل من حركة الإخوان المسلمين بمصر ، والجماعة الإسلامية بباكستان ، باعتبارهما أقدم تجربتين إسلاميتين في هذا المضمار ، وأكثرهما تأثيرا في الحركات التالية .

• الفصل الرابع : البناء القيادي وفيه تشخيص لداء القصور القيادي في الحركات الإسلامية ، وبيان لمنهج الحركة السودانية في اختيار قادتها وعزلهم ، وما اعتمدته من طرائق لحماية الشورى ، وضمان صدق التمثيل ، وشمول القيادة وفعاليتها ، وضمان مراقبتها ومحاسبتها ، مع التأصيل والتحليل والمقارنة .

• الفصل الخامس : العمل في المجتمع وهو يتناول فلسفة الحركة في التعامل مع مجتمعها، وبيان للمنهج الإصلاحي الإيجابي المترفق الذي درجت عليه في هذا الشأن ، وتعاملها مع مختلف القوى الاجتماعية المحلية : الأحزاب السياسية ، والجيش ، والطلاب ، والعلماء ، والصوفية ، والسلفية ، والنساء ، والعمال ، والقبائل ، والمسيحيين .

• الفصل السادس : العلاقة بالسلطة وفيه تحليل لمنهج الحركة في علاقتها بالسلطة السياسية ، والضوابط التي تحكمت في معارضاتها للسلطة وتحالفاتها معها ، مع التركيز على تجربة التحالف مع نميري في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات ، من حيث الدواعي ، وأسباب النجاح ، والثمرات ، باعتبارها أكبر وأخطر قرار اتخذته الحركة في هذا الشأن .

• الفصل السابع : العلاقة بالحركات الإسلامية وفيه بيان لرؤية الحركة لمراتب العموم والخصوص بين الحركات الإسلامية ، ومنهجها في العلاقة بتلك الحركات ، خصوصا حركة الإخوان المسلمين بمصر ، والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين ، بحكم ارتباطهما الفكري والتاريخي بالإسلاميين السودانيين ، ومكانتهما في العمل الإسلامي عالميا .

*****

وقد اعتمدت عددا من معايير التقييم في هذه الدراسة ، يميل المطلعون على العلوم الاستراتيجية والتنظيمية إلى اعتبارها صالحة للحكم على التنظيمات السياسية عموما ، بغض النظر عن التفاصيل والخصوصيات . هذه المعايير هي :

أولا : معيار المرونة

فكلما كان مستوى المرونة عاليا ، كان ذلك أدعى لنجاح التنظيم . والمرونة أنواع :

• مرونة وظيفية تتعلق بأهداف التنظيم ووظائفه ، بأن يكون التنظيم قادرا على تغيير بعض أهدافه المرحلية ووظائفه العملية التي تم إنجازها أو تعذر ، واستبدالها بأهداف ووظائف أهم في الظروف الجديدة أو أيسر من حيث الإنجاز . وكل تنظيم لا يستطيع التحرر من بعض وظائفه وأهدافه المرحلية ، وتبنِّي وظائف وأهداف أكثر انسجاما مع إمكاناته في الظروف المتغيرة ، فهو محكوم عليه بالجمود والموت البطيء . على أن التحرر من الأهداف المرحلية أو بعض الوظائف ، لا يعني تحررا من الغايات العليا التي هي مبرر وجود التنظيم .

• مرونة إجرائية تتعلق ببنية التنظيم وإجراءاته الداخلية ذات الصلة بتغيير قادته واتخاذ قراراته . بأن يكون التنظيم قادرا على تغيير قيادته بيسر، وبأسلوب مرن يفتح باب الصعود إلى القيادة والنزول منها ، بناء على معايير موضوعية لا شخصية ، ودون انقطاع في المسيرة أو تمزق في الصف ، وقادرا على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب دون تلكؤ أو عرقلة.

• مرونة عملية تتمثل في تعاطي التنظيم مع التحديات المتغيرة بأسلوب متغير، دون جمود على الأساليب السابقة ، حتى ولو أثبتت جدواها في الماضي . بل إن نجاحها في الماضي قد يكون أحيانا مغريا بالتشبث بها في واقع مغاير، فيدخل الخلل من هذا الباب ، ويسقط التنظيم ضحية لنجاحاته وأمجاده السالفة .

ثانيا : معيار التماسك

فكلما كان تماسك التنظيم أقوى ، كان ذلك قرينة على نجاحه وإمكانية صموده أمام التحديات. ويتطلب التماسك الفعال قدرا كبيرا من الإجماع الداخلي حول أمور جوهرية ثلاثة :

• طبيعة التنظيم ورسالته ، لا على مستوى الهدف الأسمى ومبرر وجود التنظيم فحسب - فذلك أمر سهل – بل على مستوى الأهداف المرحلية الأساسية ، والوسائل الفعالة التي ينبغي تبنيها لتحقيق تلك الأهداف .

• قيادة التنظيم : هيكلا وصلاحيات وأشخاصا . وتلك هي الشرعية الداخلية التي تعتبر أكبر ضامن للتماسك وأعظم حام للوحدة .

• وسائل حل الخلافات الداخلية طبقا لترتيبات متفق عليها ، بحيث يمكن احتواء تلك الخلافات – سواء تعلقت بالتوجه أو بالمسيرة أو بالقيادة– بأسلوب سلمي مرن ، لا يؤثر انشقاقا في هيكل التنظيم ، أو تعثرا في مسيرته ، أو انحرافا في وجهته .

ثالثا : معيار الاستقلالية

والمراد به أن يكون للتنظيم كيان معنوي وشخصية اعتبارية متميزة عن غيره من الأفراد والقوى الاجتماعية ، بحيث لا يتوقف في وجوده ولا في فاعليته على غيره من القوى ، ولا يكون أداة لخدمة أي منها . بل يكون مُكرَّسا لخدمة الأهداف التي من أجلها أُنشئ . إن تنظيما استطاعت فئة اجتماعية – أسرة أو قبيلة أو جهة أو طبقة - تسخيره لمصالحها الخاصة لا يمكن وصفه بالاستقلالية . فالتنظيم المستقل تنضوي تحته القوى الاجتماعية وتخدمه وتتبنى أهدافه . وقد تحصل هذه القوى على ثمرات من وراء انضوائها تحت رايته ، لكن أهدافها تكون تبعا لأهداف التنظيم ونتيجة عرضية لتقدمه في تحقيق رسالته . فإذا أصبحت أهداف الأفراد أو القوى الاجتماعية المكوِّنة للتنظيم في درجة فوق أهداف التنظيم أو منافسة لها ، فقدْ فقدَ التنظيم معيار الاستقلالية .

رابعا : معيار التركيب

والمراد به مضاعفة الهياكل وتنوعها وتشعبها . ويشمل التركيب التمايز بين البُنى والوحدات التنظيمية ، والفصل بينها هرميا ووظيفيا وجغرافيا ، مع التكامل والتوازن فيما بينها ، باستناد بعضها إلى بعض ، وتحكم بعضها في بعض . فالتركيب يساعد التنظيم على بناء هويته الذاتية المستقلة عن الأشخاص ، وتوطيد استقراره واستمراره ، وتأكيد شخصيته الاعتبارية التي لا تتوقف في وجودها ولا في مسيرتها على وجود زعيم مؤسس ، أو جيل رائد . وقد لا يروق التركيب التنظيمي للقادة الذين يميلون إلى الاستبداد والهيمنة ، فيُبقون تنظيماتهم في حال من السذاجة والبساطة يمكِّنهم من التحكم فيها . لكن هؤلاء بقدر ما يخدمون سلطتهم الشخصية على المدى القريب ، فإنهم يضعفون التنظيم كمؤسسة على المدى البعيد .

خامسا : معيار الاستيعاب

فالغاية من بناء أي تنظيم هي الإحساس بالحاجة إلى تنسيق جهود جماعية ، وترشيدها وتسديدها، وتصويبها نحو هدف مشترك ، وتجنب تبديد الجهود أو تضاربها أو تناسخها ، بسبب التوارد على نفس المكان دون تنسيق أو تناغم . فإذا استطاع التنظيم أن يستوعب أعضاءه ، وينسق بين جهودهم ، بحيث يجد كل منهم مكانه المناسب دون إحساس بالغبن أو التهميش أو استئثار رفقاء الدرب بأمور التنظيم من دونه ، دل ذلك على أن التنظيم يسير في الاتجاه الصحيح . أما إذا حدث العكس ، وفقد بعض الأعضاء ثقتهم في التنظيم لضعف في الإيمان بالأهداف ، أو لنقص في الثقة بالقيادة ، أو لمجرد الإحساس بالغبن ، أو سوء توجيه الجهد ، فذلك مؤشر سلبي يدل على أن التنظيم بدأ يفقد رسالته ، ويتحول إلى قيد على الطاقات الفردية التي كان أداة ترشيدها وتسديدها .

سادسا : معيار الإيجابية

والمراد به أن يحافظ التنظيم على زمام المبادرة في شؤونه ، ويتفاعل بإيجابية مع تطورات مجتمعه . فذلك هو المدخل الوحيد إلى نمو التنظيم نموا طبيعيا دون طفرات مباغتة غير محسوبة ، ويحميه من الجمود والبقاء على هامش المجتمع . وتستلزم الإيجابية قدرا من الواقعية تشجع الخير مهما لابسه

من غبش ، وتتعايش مع الشر من أجل تغييره ، دون يأس من الناس ، أو تسرُّع غير منضبط، أو خروج على المجتمع . ولا تترك فراغا يعين عوامل الشر والسلبية على التمكن والرسوخ . وتؤمن بالجهد الدؤوب مهما كان متواضعا ، وبالعمل الصامت المؤثر ، وبالسير المتدرج في تحقيق الغايات المبتغاة . ولا يتم هذا إلا باستيعاب عوامل القوة والضعف في المجتمع ، وجوانب التقدم والقصور في المسيرة ، ووسائل الاكتساب والتأثير ، وعوامل التسريع بالتغيير ، مع انتباه لأي ثغرة تُفتح ، واستغلال لكل فرصة تَسنح .

*****

ولا بأس بإبراز بعض التحفظات هنا ، حتى يكون القارئ الكريم على بينة من مغزى هذه الدراسة ومراميها :

• إن الغاية الأولى من هذه الدراسة هي تقديم دليل نظري إلى أبناء الحركات الإسلامية ، وهم في مسيس الحاجة إليه ، إذ لا تزال جل الحركات الإسلامية تعتمد في عملها منهج التجريب وردود الأفعال ، دون دليل نظري ، يهدي العمل ، ويسدد المسيرة . والمراد بالدليل النظري هنا هو ما دعاه مالك بن نبي "الفكر الفني الذي يعجل بحركة التاريخ" ، وليس الأفكار النظرية المجردة عن الحاجات الموضوعية . وليست هذه الدراسة موجهة إلى الإسلاميين في السودان ، بل هي موجهة إلى أبناء الحركات الإسلامية الأخرى . فإن وجد فيها الإسلاميون السودانيون رؤية تقييمية خارجية من أحد أبناء الصحوة الإسلامية ، راقب جهدهم وجهادهم من بعيد ، بمزيج من التقدير والإعجاب والحب والإشفاق .. فسيكون ذلك زيادة خير نغتبط بها . فالمؤمن مرآة أخيه ، وللنظرة الخارجية – رغم بعدها عن الواقع أحيانا – فوائدها : حيث استقلال الذات عن الموضوع أوضح ، والتجريد والتعميم أسهل .

• إن عددا من الذين احتكوا بقادة الحركة وأبنائها عن كثب – الأمر الذي لم يتح لنا بكل أسف - قد يأخذون علينا أننا نتحدث عن أمور نظرية ، لا تعبر دائما عن الواقع العملي في مسيرة الحركة الإسلامية بالسودان ، وقد يجد بعضهم في حديثنا مغالاة في مدح هذه الحركة ، ويجد فيه آخرون غمطا لحقها ، حسب اختلاف وجهة النظر . ولعل هؤلاء وأولئك محقون فيما يذهبون إليه ، فلسنا نتوقع أن كل ما كتبته الحركة عن نفسها حقائق معيشة ، بل قد يكون – أحيانا - تعبيرا عن طموحها ورؤيتها الفكرية ، حالت ظروف قصور أو تقصير دون إتمامه ، أو منَع تزاحم الغايات و"تناسخ المبادئ" من إنجازه . لكن ذلك لا ينقص من قيمة الفكرة في ذاتها ، إذ دورنا هنا هو توصيل العبرة وتبليغ الفكرة إلى الآخرين، حتى ولو فشلت الحركة صاحبة الفكرة في تنفيذها.. فرب مبلغ أوعى من سامع . علما بأننا لم نقف عند حدود ما كتبته الحركة عن نفسها ، بل حاولنا المقارنة بمصادر أخرى كتبها أعداء الحركة في الغالب ، دون أن نتقيد بتحليلاتهم وأحكامهم ، أو نرفضها جملة وتفصيلا .

• إن الحدود الزمنية لهذه الدراسة هي المرحلة الحركية من عمر التجربة الإسلامية السودانية، وتحديدا نصف القرن الممتد من 1940 إلى 1990، ولا شأن لها بتلك التجربة بعد أن أسفرت الحركة عن وجهها في شكل دولة نهاية العام 1989 . فلا يتوقعن القارئ الكريم منا أي تقييم لتجربة الحركة/الدولة في هذه الدراسة . فرغم اقتناعنا بأهمية التأمل في تلك التجربة ، واستخلاص العبرة منها ، بالنسبة للحركات الإسلامية – التي هي أكبر القوى الاجتماعية حظا في الوصول إلى قيادة دولها حاليا – إلا أن ذلك أمر خارج عن الحدود الزمنية لهذه الدراسة ، ولم تتوفر المعلومات الكافية لتناوله حتى الآن ، بالنسبة لمن يراقبون التجربة السودانية من خارجها . كما أن مرحلة الحركة – لا الدولة – أوْلى بالبحث والتأمل في الوقت الحاضر على ما نعتقد ، نظرا لفائدتها المباشرة للحركات الإسلامية في معركة التمكين. وقد اضطررنا إلى الخروج عن هذه الحدود الزمنية في الفصل الأخير وحده ، نظرا للتطورات السلبية التي طرأت على فلسفة الحركة في مجال العلاقات ، فجرتها إلى كثير من المتاهات ، يحتاج القارئ إلى تفسير لها .

• قد يسئ بعض الناس الظن بالتجربة الإسلامية السودانية ، بسبب أحداث الرابع من رمضان 1420 هـ وما تلاها من خلافات بدت علىالسطح بين الدكتور الترابي والرئيس البشير ، وقد نخالفهم أو نوافقهم في تفسير مغزى تلك الأحداث ومراميها . بيد أن ما يهمنا تذكيرهم به ، هو أننا في هذه الدراسة لا نهتم بالظروف العابرة والصروف المتقلبة ، بل نبحث عن عناصر الاطراد ، ومواطن العبرة . وهي أمور باقية في التجربة السودانية ، سواء سمحت ظروف العمل للحركة الإسلامية في السودان بالإسفار عن وجهها الإسلامي ، أو قضت عليها بالظهور بمظهر وطني محض ، وسواء سمحت الظروف لقادتها التاريخيين أن يكونوا في واجهة الأحداث ، أو قضت عليهم بالبقاء في الظل . فصور الابتلاءات لا حصر لها ، وصور الاستجابات لا حصر لها ، وهو أمر يدركه قادة الحركة الإسلامية السودانية بعمق .

• إن من أكبر التحديات التي تواجه الباحث في تجارب حركات التغيير الحية ، هو الفصل بين المبادئ الثابتة والمواقف العابرة ، بين الجوهر والعرَض ، بين الاستراتيجية والتكتيك . ويحتاج التغلب على هذا التحدي المنهجي إلى قدرة تحليلية ، وتمرس بتاريخ الحركة المدروسة وواقعها وأساليبها في العمل ، وهو أمر لا ندعيه هنا . لكننا ندرك أن الحركة السودانية من الحركات الإسلامية القليلة التي تحررت من ذلك الداء الذي دعاه الدكتور حسان حتحوت "عبادة الصورة" ، فهي مستعدة للتضحية بالأشكال والألقاب ، مقابل مكاسب في استراتيجية العمل . ولذلك اعتبرنا – بناء على المعطيات المتاحة – أن أحداث الرابع من رمضان وما تلاها خروج من أزمة ، لا دخولا فيها ، كما يتراءى لأول وهلة . وليست تلك الأزمة ناتجة عن نهج الحركة المعهود ، بل عن الخروج عن ذلك النهج – كما بيناه في الفصل السابع - وإن كانت تلك الأحداث تدل بعنفها على عمق التورط وجسامة الأخطاء التي ارتكبتها الحركة ، خلال العقد الأول من حكمها ، في مجال العلاقات العامة والخارجية . وقد شرحنا الخلفية التاريخية لتلك الأحداث في الفصل الأخير .

• إن الأحداث التاريخية التي أوردناها في هذه الدراسة لا ترد ملتزمة بالسرد التاريخي المتسلسل ، بل بحسب الموضوع الذي نتناوله . فقد يجد القارئ إحالة إلى بعض الأحداث المتأخرة زمنيا في الفصول الأولى من الكتاب ، أو أحداثا قديمة في الفصول الأخيرة منه . لأن منهج التناول يحتم التركيز على مضمون الأحداث ودلالاتها ، لا على تسلسلها الزمني . ولمساعدة القارئ على الربط المنطقي بين الأحداث زمنيا ، أوردنا بعد هذه المقدمة مسردين : يتناول أولهما أهم الأحداث السياسية في السودان الحديث ، والثاني أهم الأحداث في الحركة الإسلامية السودانية .

*****

فإن وجد بعض إخواننا في هذه الدراسة صراحة في النقد والتقويم ، فليس ذلك صادرا عن استهتار بقيادات إسلامية نعرف فضلها وبلاءها ، ولا تقليلا من شأن حركات إسلامية ندرك سابقتها وجهادها ومصابرتها .. وإنما هو تحمل للمسؤولية الشرعية التي تجعل قدسية المبادئ فوق مكانة الأشخاص ، وإدراك للأثر السيء لمنهج التغاضي عن الأخطاء والمجاملة في المواقف الذي ساد العمل الإسلامي بكل أسف .. وإن وجد آخرون نقصا في الاستقراء ، أو تحليلا مبنيا على معلومات قديمة أو غير دقيقة ، فما عليهم إلا أن يتكرموا بتقديم النصح ، وتوفير المعلومات ، وسنكون ممتنين لهم في ذلك ، مقدرين لجهدهم ، مصححين لخطئنا ، معترفين بتقصيرنا . وغاية ما نرجوه من هؤلاء وأولئك هو أن لا تمنعهم العيوب التي قد يجدونها في هذه الدراسة – وهي موجودة بدون ريب - عن الاستفادة مما يرونه إيجاببا فيها.

وأخيرا فإن هدف هذه الدراسة ليس مدح الحركة الإسلامية في السودان ، أو القدح في غيرها من الحركات الإسلامية التي أشرنا إلى مقارنات معها خلال فصول هذه الدراسة - فليس المقام مقام مدح أو قدح - بل الهدف الأول والأخير هو تقديم العبرة إلى شباب الصحوة ، وتعميق ثقافتهم العملية ، والتعريف بتجربة إسلامية رائدة ، تعاضَد ظلم ذوي القربى وكيد الأبعدين على طمسها، والحيلولة دون أخذ العبرة منها .


ولله الأمر من قبل ومن بعد


محمد بن المختار الشنقيطي


لباك – تكساس

الولايات المتحدة الأمريكية
07 صفر 1422 هـ
29 ابريل 2001 م




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مقدمة كتاب الحركة الاسلامية في السودان مدخل لفكرها الاستراتيجي والتنظيمي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الهجرة الي الله :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: