الهجرة الي الله

تحت شعار قال تعالي:((ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين )) صدق الله العظيم .
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

  الحركة الاسلامية السودانية - النشأة والتطور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سامي محمد



عدد المساهمات : 96
تاريخ التسجيل : 11/12/2015
العمر : 31

مُساهمةموضوع: الحركة الاسلامية السودانية - النشأة والتطور   الجمعة ديسمبر 11, 2015 8:51 am


ا
جاءت نشأة الحركة الإسلامية الحديثة في السودان امتداداً لما سبقها من حركات البعث والإصلاح الديني والسياسي التي هبت لإحياء وتجديد معاني التدين ومواجهة أخطار الهجمة الاستعمارية الغربية خلال القرن التاسع عشر الميلادي



، وكانت إلى جانب ذلك استجابة لتحديات داخلية وخارجية وظروف محلية متعلقة بالمجتمع الذي نشأت فيه .

تكونت الحركة نتاج إندماج مجموعتين إحداهما برزت في المحيط الشعبي تحت اسم "الإخوان المسلمون" منتصف أربعينيات القرن العشرين وكانت أمتداداً لحركة الإخوان المسلمين في مصر، والأخرى برزت في المحيط الطلابي تحت اسم (حركة التحرير الإسلامي)، وحملت الحركة بعد توحدها اسم (الإخوان المسلمون) .

أوفد الإمام حسن البنا عدداً من الوفود للتبشير بدعوة الإخوان المسلمين ونشرها في السودان وفي أكتوبر عام 1946م، قام وفد الإخوان القادم من مصر برئاسة السكرتير العام للإخوان المسلمين عبد الحكيم عابدين، بتكوين مكتب إداري للإشراف على نشاط الإخوان في السودان تولى رئاسته الشيخ عوض عمر الإمام لفترة قصيرة ثم آلت أمارة الجماعة إلى الأستاذ على طالب الله الذي عُينَّ مراقباً عاماً للإخوان في السودان من قبل المركز العام للإخوان المسلمين في القاهرة .

شهِدَت كلية الخرطوم الجامعية في العام 1949م ميلاد (حركة التحرير الإسلامي) بواسطة ثُلة من الطلاب على رأسهم الطالبين بابكر كرار ومحمد يوسف محمد، وأهتمت الحركة في هذا الطور بتربية عناصر منتقاة من الطلاب ومقاومة الاتجاه المادي والإلحادي الذي كان يهيمن على الحركة الطالبية آنذاك.

في الحادي عشر من ذي الحجة 1373هـ الموافق (21/ 8/1954م) عُقِدَ الاجتماع التاريخي لتوحيد الرافدين الشعبي والطلابي للحركة في نادي أم درمان الثقافي .

أنتخب المؤتمر الأستاذ / محمد الخير عبد القادر سكرتياً عاماً للإخوان المسلمين في السودان، وتم أختيار مكتب تنفيذي لإدارة الحركة ضم كل من :

(الرشيد الطاهر بكر - محمد يوسف محمد - صادق عبد الله عبد الماجد - عمر بخيت العوض - د. عمران أبو عيسى - أحمد محمد بابكر "الكندو" ) .

أنعقد المؤتمر الثاني للحركة في شهر ذي الحجة عام 1374هـ ، 1955م، وتمَّ انتخاب الأستاذ / الرشيد الطاهر بكر مراقباً عاماً للجماعة حيث أستمر في قيادتها قرابة العشرة سنوات .

شاركت الحركة بقوة في معركة الإستقلال، وتبنت الدعوة للدستور الإسلامي منظماً لقوانين الأمة وهادياً لعلاقاتها وسياساتها في خضم دعوات علمانية وليبرالية واشتراكية نادت بها بعض الأحزاب السودانية الأخرى.

أسفر اجتماع الهيئات الإسلامية الذي دعت له الحركة في ديسمبر1955م، عن تأسيس )جبهة الدستور الإسلامي) وانتخاب الأستاذ عمر بخيت العوض المحامي عضو المكتب التنفيذي للحركة سكرتيراً عاماً لها، وتشكلت الأمانة العامة للجبهة من الأساتذة : (عبد الله الغبشاوي ومحمد هاشم الهدية وسيد أمين وصادق عبد الله عبد الماجد ومحمد أحمد الهواري والصايم محمد إبراهيم وعبد الرحمن الصايم) ، واستطاعت الجبهة أن تخلق رأياً عاماً ضاغطاً في أتجاه تبني مبدأ الدستور الإسلامي ..

قطع قيام انقلاب الفريق عبود في نوفمبر 1958م الطريق على إقرار الدستور الإسلامي، وأضُطرت الحركة إلى انتهاج أسلوب السرية في العمل، ومارست المقاومة السياسية على صعيد الاضرابات والمظاهرات .

اندفعت الحركة عقب ثورة أكتوبر في مجال الدعوة السياسية العامة، فكونت "جبهة الميثاق الإسلامي" التي ضمت عدداً من الطوائف الإسلامية والمستقلين، وقاد مكتبها التنفيذي الشهيد/ محمد صالح عمر، ووفقت في وضع مسودة للدستور الإسلامي حظيت بموافقة الكثيرين من أعضاء الجمعية التأسيسية.

شهِدَّت الحركة في هذه الفترة تحولات عميقة في طبيعتها وأساليبها، فأنشأت المؤسسات في مجالات الشباب والنساء، ونقابات العمال، وتحولت من جماعة ضغط إلى حركة سياسية تقدم نفسها بديلاً عن غيرها، ومن حركة سرية إلى علنية، وتحولت من مناهج عمل صفوي إلى دعوة شاملة مفتوحة .

ابتدرت الحركة خلال هذه الحقبة اتصالات خارجية أثمرت نتائج طيبة على صعيد العمل التنسيقي والتلاقح مع الحركات الإسلامية المماثلة في سوريا ولبنان والأردن والعراق وأيضاً مع منظمة التحرير الفلسطينية حيث أتيحت للحركة فرصة الاستفادة من تجاربها في مجالات التنظيم والبرامج .

في العام 1969تم إنتخاب د. حسن الترابي أمينا عاماً للحركة، وخرج بعض الإخوان رافضين لهذا الإنتخاب، وكونوا بعد ذلك النواة لجماعة الإخوان المسلمون الحالية بعد أن إنضم إليهم الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد ود. الحبر نور الدائم في العام 1979م، حيث أجلَّ إنقلاب النميري في 25/5/1969م بمساعدة الشيوعيين واليساريين والقوميين العرب إعلان الإنشقاق الثاني في الجماعة لمدة عشر سنوات .

بقيام أنقلاب مايو وجدت الحركة الإسلامية نفسها محاصرة وملاحقة من قبل سلطة تناصبها العداء فكرياً وسياسياً، لتدخل الحركة في فترة مجاهدة ضد النظام القائم منفردة حيناً ومتحالفة مع معارضين آخرين أحياناً أخرى .

في يوليو 1969م أنطلقت المقاومة لنظام مايو في جامعة الخرطوم بقيادة عدد من الطلاب الإخوان منهم : (محمد عبد الله جار النبي، صديق يونس، الحاج بابا، قطبي المهدي، عبد الرحيم علي، جعفر ميرغني، علي عثمان محمد طه، أحمد إبراهيم الطاهر) . وفي أكبر فوز في تاريخ التمثيل النسبي حصد التنظيم الطلابي للحركة الإسلامية المسمى بالإتجاه الإسلامي تسعةَ عشر مقعداً من مقاعد اتحاد طلاب جامعة الخرطوم الذي كان يسيطر عليه اليساريون، وأصبح الأستاذ / علي عثمان محمد طه رئيساً للاتحاد الجديد ليقود المقاومة ضد التغول اليساري على الجامعة والحياة السياسية في البلاد .

كونت الحركة متحالفة مع قادة الأحزاب جبهة وطنية لمقاومة النظام في أكتوبر 1969م، وأصبح للجبهة قيادتين، قيادة الداخل ويمثلها الإمام الهادي عبد الرحمن المهدي يعاونه محمد محمد صادق الكاروري ومحمد صالح عمر، وقيادة الخارج التي مثلها الشريف حسين الهندي وعثمان خالد مضوي وعمر نور الدائم.

كانت خطة الجبهة الوطنية تقضي بذهاب الأنصار لتلقي التدريب في معسكر أقيم على الحدود السودانية الإثيوبية بإشراف كودار الحركة الإسلامية، ومن ثمَّ التسلل للجزيرة أبا لاتخاذها قاعدة لمواجهة النظام حيث استشهد في معركة الجزيرة أبا عدد من الإخوان على رأسهم الأستاذ محمد صالح عمر .

عقب معركة الجزيرة أبا واستشهاد الإمام الهادي، أحكم الإنقلابيون قبضتهم على البلاد وأنزوت المعارضة فاسحة المجال للقوى اليسارية المؤيدة للنظام الإنقلابي لتملأ الساحة .

شجعت حركة شعبان قيادات الأحزاب على مواصلة العمل ضمن إطار الجبهة الوطنية التي وجدت نفسها مضطرة للعمل إنطلاقاً من الأراضي الليبية بعد أن فُجِعَت في بدايات عام 1975م باغتيال الملك فيصل الذي كان ظهيراً لها، كما أطاح اليساريون نظام الإمبراطور الأثيوبي هيلاسلاسي الحليف القوي للجبهة .

نجح نظام مايو في امتصاص ضربة يوليو 1976م، ونشط في ملاحقة المعارضة، كما سعى إلى تجريد المعارضة من برنامجها الإسلامي طارحاً برنامج الولاية الثانية في نهاية عام 1976م، متبنياً برنامج النهج الإسلامي والالتزام بتحكيم الشريعة الإسلامية.

لاحظت الحركة تسابق قيادات الجبهة الوطنية المعارضة على التصالح مع النميري، حيث تفاجأ الإخوان بخبر لقاء الصادق المهدي بنميري في بورتسودان في 7 يوليو 1977م دون أن يستشر حلفاءه مما هدم آخر ما تبقى من الثقة - المهزوزة أصلاً - بين مكونات الجبهة الوطنية، فكان أن أصدرت قيادة الحركة بياناً في سبتمبر 1977م أعلنت فيه فض "الجبهة الوطنية .

منح مناخ الحريات النسبي الذي كفلته المصالحة مساحة تحرك مكنت الحركة من إعادة رص صفها ومخاطبة الجماهير، وهو ما افتقدته طيلة ثمانية أعوام (1969 – 1977م)، كما عملت على توظيف البرنامج الإسلامي للنظام مبرزةً عدداً من المشروعات الدعوية والفكرية والإقتصادية .

تطورت الحركة وسط قطاعات الطلاب والعمال والمهنيين، وأنحاز قطاع المرأة لداعي التوجه الإسلامي، وتغلغلت الحركة في أجهزة النظام وبرز صوتها في سياسات الدولة ومنابرها، ونجحت في إضعاف تيار العلمانيين داخل النظام، وأزداد نشاط الحركة في الاتصالات الدولية والخارجية .

أبتدرت الحركة نشاطها في جنوب السودان منذ بدايات العام 1980م، وكسبت قلوب فريق من الطلاب الجنوبيين جاءوا مباشرة من المسيحية إلى الإسلام والحركة الإسلامية .

بينما كانت الأوضاع الإقتصادية تسوء في الشمال وتدخل مرحلة اللاعودة في الجنوب، أخذ الرئيس نميري الجميع على حين غرة معلناً الشروع في تطبيق الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983م، وقرر تنفيذ استراتيجية العدالة الناجزة، وتأكدت توجهات تطبيق الشريعة في يوم الجمعة 16 ذي الحجة 1404هـ الموافق 3 سبتمبر 1983م بإراقة كل مخزون الخرطوم من الخمور في مياه النيل وكان ذلك اليوم بحق عرساً للشريعة في السودان، فلم يكن أمام الحركة إلاَّ مساندة هذا التوجه ودعمه بكل قواها .

تكاثفت الضغوط ضد توجهات السودان الإسلامية، وتجلى ذلك عسكرياً في تصاعد نشاط حركة التمرد الجنوبية، ثمَّ جاء نائب الرئيس الأمريكي ريجان، بوش الأب إلى السودان في منتصف مارس عام 1985م، حاملاً شروطاً صارمة لقيادة النظام إن أرادت أستمرار الدعم الغربي، وتمثلت هذه الشروط في إبعاد الإسلاميين من مواقع السلطة، وتصفية مؤسسات العمل الإسلامي، وإبطال الشريعة وبرنامج العدالة الناجزة

في العاشر من مارس 1985م باغت النميري الحركة ببيان إذاعي أعلنها فيه بالحرب واتهمها بالتآمر للإطاحة بالنظام، وكانت أجهزة الأمن قد أستبقت البيان باعتقال قيادات الحركة، إلاَّ أنَّ القيادة البديلة للحركة أستطاعت أن تجتمع في ظهيرة ذات اليوم، لتقود مع بقية القوى السياسية تحركاً ضد نظام مايو أفضى إلى قيام ثورة رجب – أبريل، حيث أعلن المشير سوار الدهب انحياز القوات المسلحة للجماهير والاستيلاء على السلطة في صبيحة يوم 15 رجب الأغر 1405 هـ الموافق 6 أبريل 1985م .

كونت الحركة (الجبهة الاسلامية القومية) لتصبح حزباً إسلامياً عصرياً، و كانت أهدافها الرئيسية هي أسلمة المجتمع وتأسيس حكم الشريعة الإسلامية في السودان. وأستطاعت الكوادر الإسلامية تجاوز الحملة الشرسة التي قادتها قوى اليسار لتشويه صورة الحركة وإقصائها عن المشاركة السياسية، وخاضت الجبهة معركة الإنتخابات بقوة حاصدةً (51) مقعداً في البرلمان وأكتسحت كل دوائر الخريجين وحلت في المركز الثالث بعد حزبي الأمة والإتحادي الديمقراطي .

شكلت الجبهة الإسلامية معارضة قوية وفاعلة لحكومة الديمقراطية الثالثة، وعملت الحركة على دعم القوات المسلحة وتشجيعها للوقوف في وجه التمرد الذي التهم معظم مدن الجنوب وتمدد إلى النيل الأزرق وجنوب كردفان.

استثمرت الحركة بنجاح فترتي المصالحة مع نظام مايو (1977 – 1985م)، والديمقراطية الثالثة (1985 – 1989م)، لتنظيم صفوفها والانتشار نحو جذور المجتمع ونخبه وتحقيق أستراتيجية التمكين التي أختطتها، وجنت من وراء ذلك ثمرات طيبة في مختلف الميادين التنظيمية والفكرية والثقافية والإعلامية والإقتصادية، والإجتماعية والدعوية والإنسانية، وميدان العلاقات الخارجية .

نجحت الحركة في بناء أقوى التنظيمات السياسية والاجتماعية للزحف على مواطن القوة في المجتمع، واستطاعت في وقت وجيز أن تتسنم باقتدار معظم التنظيمات النقابية والمهنية الحديثة وتفرض نفسها من خلال أدائها وخطابها قيادة نافذة وذات مشروعية قوية في قيادة المجتمع، وحدثت صحوة تنظيمية وسط قطاع الفئات فنهضت قيادات إسلامية لنقابات الأطباء والزراعيين والموظفين، كما فازت الحركة بمقاعد نقابة عمال السكة حديد ذات الهيبة والتاريخ العريق ومقاعد نقابة معلمي الثانويات وغيرها من النقابات .

نهضت تنظيمات الحركة الطلابية والشبابية في العاصمة والشمال والوسط ودارفور وكردفان وشرق السودان والمناطق القصية الأخرى، واستكمل ذلك البناء حينما اخترقت أمانة الطلاب مناطق الستار الغابي والكنسي في جنوب السودان، وأقامت تنظيمات للإخوان في جوبا وواو وملكال.

كان أكبر الاختراقات التي حققتها الحركة هو اقتحامها لمجتمع المرأة السودانية واكتسابه لصفّها، بعد أن كان ضحية للتقاليد البالية في شقه التقليديّ وميالاً نحو اليسار وشعاراته في شقه الحديث، وقد تطور كسب المرأة عبر مراحل تطور الحركة ومسيرتها السياسية والتنظيمية، وبرز دورها في العمل الجهادي، وفي العمل العام وتولي الوظيفة العامة .

أسهمت الحركة في تطوير الفكر الإسلامي المعاصر من خلال التأصيل وتجديد الفكر الإسلامي وأصول الفقه، حيث خاطبت الحركة قضايا المرأة، الحرية، الشورى، الديمقراطية، والمصارف الإسلامية، كما أسهمت في تصحيح العقيدة بتأكيدها على شمول الإسلام القائم على وحدانية الله وأنَّ الحياة كلها عبادة له سبحانه . وأنشأت الحركة جماعة الفكر والثقافة الإسلامية التي أصدرت مجلة فكرية وتوالت مؤتمراتها .

عنت الحركة بالثقافة والفنون تأصيلاً وممارسةً، من خلال الإتصال الشعبي العام عبر القوافل وتكثيف الخطاب بالمحاضرة، وتكوين الروابط الثقافية في العاصمة والأقاليم، حيث غذت هذه الروابط الحياة الثقافية وأنتشرت المنتديات الفكرية التي عالجت مختلف القضايا، بجانب إقامة معارض الكتاب الإسلامي والثقافة الإسلامية، والمكتبات الصوتية والمعارض والمهرجانات ومنابر الخطابة العامة والليالي القمرية .

أهتمت الحركة بالصحافة والإعلام الإسلامي المباشر وغير المباشر ودخلت مجال النشر حيث صدرت مجلة المغترب، وتلا ذلك ظهور عدد من الصحف الإسلامية التي كسرت احتكار الدولة لحركة الصحافة مثل صحيفة ألوان والصحوة والأصالة، ثمَّ صحيفة الراية . وأصبح عدد من شباب الحركة مراسلين لعدد من الصحف العربية والإنجليزية مثل مجلة العالم وآرابيا التان تصدران من لندن، والمجتمع التي تصدر من الكويت . كما برزت إصدارات على أصعدة مختلفة وبصورة دورية يصعب حصرها وتلمس آثارها كالصحف الحائطية في المدارس والأندية والمساجد والجامعات .

غذت البنوك الإسلامية المجتمع السوداني بالعشرات من الشركات في مجالات التنمية والاستثمار والبناء والتشييد والمضاربة، وخلقت آلافاً من فرص العمل على امتداد السودان مما أحدث استقرارا لآلاف العوائل، وأسهمت في حل بعض مشاكل السودان الاقتصادية وتوظيف حركة المال وفق مقاصد الشريعة مما حل لدى الكثير من المسلمين إشكاليات تراكم أموالهم في المؤسسات الربوية .

بخلاف الشائع عن أنَّ الحركة الإسلامية صوّبت همّها فقط نحو السياسة متجاهلة الدعوة والعمل الاجتماعي والإنساني، فإن الحقيقة هي أنَّ أكبر عطاء للحركة وأبقاه هو تحديداً في تلك الجوانب، حيث كان للحركة السهم الأوفر فيما حدث من تحولات نحو التدين في المجتمع السوداني بجانب الفاعلين الآخرين .

اهتمت الحركة بوجوه العمل الاجتماعي النامية فبادرت إلى إنشاء التنظيمات الاجتماعية والطوعية ووجهتها لخدمة مبادئها ومطلبها في التمكين بوجوهه المختلفة، وكانت أولى هذه التنظيمات جمعية رائدات النهضة التي تم تأسيسها في عام 1979م وأصبح لها وجود فاعل في كل أنحاء القطر، وقامت لها فروع في حتى في جنوب السودان. وعلى درب رائدات النهضة جاءت منظمة شباب البناء التي قادت حملات النظافة ومشاريع فضل الظهر والتبرع بالدم وحملات توزيع لحوم الأضاحي ومشاريع تسهيل الزواج التي استفاد منها المئات وشارك في مهرجاناتها عشرات الآلاف .

أقامت الحركة واجهات إسلامية اجتماعية أخرى مثل جمعية الإصلاح والمواساة، كما ظهرت روابط الفتاة المسلمة ودور المؤمنات، وانخرط عدد من الإسلاميين في تحريك هيئة إحياء النشاط الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي، بالإضافة إلى الوجود الإسلامي المقدر في المؤسسات الإسلامية التي نهضت على أكتاف شباب الحركة الإسلامية مثل منظمة الدعوة الإسلامية، المركز الإسلامي الإفريقي، الوكالة الإسلامية الإفريقية للإغاثة، الجمعية الطبية الإسلامية، والجمعيات الخيرية والاجتماعية الأخرى .

في مجال العلاقات الخارجية دخلت الحركة في علاقات تنسيق وتفاهم مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في باكستان والحركة الإسلامية في تركيا والمنظمات والجماعات الإسلامية في أمريكا وأوروبا ومختلف هيئات الدعوة والإرشاد في العالمين العربي والإسلامي. واجتهدت الحركة في إيجاد أندية لحركات إسلامية في مختلف البلاد الإفريقية مثل إرتريا، تشاد، إثيوبيا، الصومال، نيجيريا، جيبوتي، تنزانيا، غرب إفريقيا، وكذلك تنظيمات الزنوج الأمريكيين والجمعيات الإسلامية في ماليزيا.

برز دور الحركة في قيادة العمل الإسلامي في أوروبا وأمريكا، فأصبح د. الأمين محمد عثمان مسئولاً عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في المملكة المتحدة وأوروبا، وأحمد عثمان مكي في أمريكا وكندا، وأصبح عدد من كوادر الحركة رؤساء لاتحاد الطلاب المسلمين في أمريكا والاتحاد العام للجمعيات الإسلامية في المملكة المتحدة، ولعبوا دوراً بارزاً في تأسيس "الإتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية" .

نشطت الحركة في خلق علاقات مع بعض الحكومات والدول فأرسلت الجبهة القومية وفودها إلى مصر والسعودية والصين، كما أقبل الإسلاميون من مختلف أنحاء العالم لزيارة السودان والتعرف على تجربته الإسلامية، فجاءوا من باكستان، ماليزيا، أمريكا، نيجريا، تشاد، إثيوبيا، الدول العربية، ودول الأقليات الإسلامية.

أجتهدت الحركة في مناصرة القضايا الكبرى للأمة الإسلامية مثل الصراع العربي – الإسرائيلي، وقضايا البوسنة والهرسك، والقضية الأفغانية، وغيرها من قضايا الأمة، والاهتمام بقضايا السياسة الخارجية ومنهجيتها، والتفاعل الحي مع القوى العالمية، وتطوير الفقه الدبلوماسي للحركة .

تنبهت القوى المعادية للتوجه الإسلامي للنجاحات التي حققتها الحركة والنماذج التي أرستها، خاصةً بعد أن شاركت الجبهة الإسلامية في حكومة الوفاق الوطني برئاسة السيد الصادق المهدي، وبرز أدائها القوي من خلال كوادرها التي شاركت في التشكيل الوزاري، الأمر الذي أزعج القوى المناهضة للإسلاميين في الداخل والخارج فسعت لإقصاء الحركة وإيقاف مشروعها .

بعد أن تأكدت قيادة الحركة من وقوف قيادة الجيش في وجه مشروعها الإسلامي وسعيها لإقصائها وتجريدها من حقها المشروع في المشاركة في السلطة كما حدث مع حركات إسلامية أخرى، ولما رأته من أخطار محدقة بالبلاد, من نذر لاتفاق الميرغني قرنق الذي سيجمد القوانين الإسلامية التي أعلنت في عهد نميري، كان قرارها بالاستيلاء على السلطة .

جاءت ثورة الإنقاذ الوطني في فجر الثلاثين من يونيو 1989م بقيادة "العميد عمر حسن أحمد البشير" حصيلة "استراتيجية التمكين" التي اعتمدتها الحركة على مدى عقد من الزمان، ونتيجة عمل متفاعل مع بعض الضباط بهدف تأمين ظهر الحركة وحمايتها من الانقلابات العسكرية المتكاثرة من مجموعات ضباط ذوي انتماءات فكرية وعقائدية مناوئة للحركة شملت تيارات الناصريين والبعثيين والشيوعيين وتيارات أخرى تتحرك بتوجيهات من الأحزاب الطائفية.

جاءت ثورة الإنقاذ في الموعد لإيقاف التدهور الذي طال كل أوجه الحياة السياسية والإقتصادية والعسكرية في السودان .

عقب نجاح الحركة الإسلامية السودانية في الإستيلاء على السلطة، تمَّ إلغاء انتخاب أعضاء المكتب التنفيذي من قِبل مجلس شورى الحركة وسُمِحَ للأمين العام باختيار مجلسه الاستشاري بما يحقق الانسجام وسلاسة العمل وحُسن الأداء . وفي 1991م حلّ مجلس شورى الحركة نفسه، مفسحاً المجال لبروز حركة إسلامية أكثر تمثيلاً وأكثر قدرة على إدارة قضايا التمكين، رغم أنَّ البعض قد أعتبر ذلك تفريطاً في الشورى بحسبانها مبدأ وقيمة قرآنية ومضمون محوري من مضامين الحركة .

وجدت أطروحات الإنقاذ تجاوباً من الشعب السوداني الذي أحتمل شظف العيش وصبر على الإجراءات الإقتصادية التي طبقتها الإنقاذ رغم قسوتها، وتدافع الناس نحو الجهاد حيث لمس المواطن جدية الإنقاذ وطرحها الجريئ للقضايا الوطنية، واستطاعت تجربة الإنقاذ الناشئة، الصمود أمام تحديات التنمية والبناء في بلد فقير كالسودان، كما تمكنت من الصمود العسكري أمام عدوان دول الجوار عليها، وتمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، بفضل تضحيات شبابها. كل ذلك دفع الشعب السودانى للوقوف مع برامج الإنقاذ التي أنجزت الكثير من المشاريع التنموية الكبرى التي تُحسب للشعب السوداني الذي دعم برامج الإنقاذ وصبر عليها .

تدرجت الإنقاذ في التحول من نظام عسكري جاء للسلطة عبر إنقلاب إلى نظام مدني مؤسسي، فسعت في أيامها الأولى إلى تأصيل فكرة التنظيم السياسي في محاولة للجمع بين الوحدة والتنوع في بلاد تواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة، وبدأ الانتقال للحكم المدني بصدور قانون الانتخابات في عام 1994م.

كان للتغيير الذي حدث في النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انعكاسات مباشرة ‏على الساحة السودانية. فبسبب بعض مواقف الإنقاذ الخارجية، ساند عدد من الدول، المعارضة السودانية وقدم لها ‏الدعم. كما أنَّ الهزائم العسكرية التي منيت بها حركة التمرد دفعتها للتحرك ‏وسط المنظمات الغربية والدوائر الكنسية بغية استقطاب الدعم. وكان خطاب كل من المعارضتين الشمالية والجنوبية هو ‏خطورة التوجه الإسلامي للإنقاذ وتأثيرات ذلك على البيئة الإقليمية.‏

تصاعد نشاط المعارضة، وصدرت مقررات مؤتمر التجمع في أسمرا التي تنص على إعطاء ‏الجنوب والمناطق المهمشة حق تقرير المصير، وعلى اعتماد العمل العسكري لاسقاط الإنقاذ.

تزايدت الضغوط السياسية الدولية على الإنقاذ مصحوبةً بالتصعيد العسكري، ووصلت إلى ذروتها عام 1996م الذي شَهِدَ فرض عقوبات دبلوماسية على البلاد من قبل مجلس الأمن الذي أصدر ثلاثة قرارات ضد السودان حملت الأرقام (1044 و1054 و1070)، بعد اتهام السودان بالمشاركة في تدبير حادث الإعتداء على الرئيس المصري مبارك في أديس أبابا. ‏

شهدت الساحة العسكرية تصعيداً خطيراً، بوقوع العدوان ‏العسكري الثلاثي: (اليوغندي الإثيوبي الأريتري) على البلاد عام 1997م، وفي ‏أغسطس عام 1998م وقع الإعتداء الأمريكي على مصنع الشفاء للأدوية.‏

شكلت العلاقة بين الحزب والحكومة تحدياً رئيساً للحركة الإسلامية . بدأت هذه العلاقة بإقرار الفصل بين القيادتين وبهيمنة الحزب، حيث ظلت قيادة الحركة هي ‏الأعلى من حيث المرجعية. وظل الأمين العام في سنوات الإنقاذ الأولى يمثل المرجعية السياسية، بينما يرأس رئيس ‏الجمهورية النظام السياسي، غير أن الفصل بين القيادتين أدى إلى حدوث ‏اختلافات بينهما بدأت تتراكم تدريجياً.

قامت بعض قيادات المؤتمر الوطني في ديسمبر 1999م بتقديم مذكرة لمجلس ‏الشورى، عرفت باسم مذكرة العشرة، اقترحت فيها إجراء تعديلات على النظام الأساسي للمؤتمر الوطني، ‏وطالبت بوجود الرئيس داخل مؤسسات ‏الحزب العليا، ودعت إلى إبعاد الأمين العام عن منصب مقرر هيئة الشورى وذلك بهدف إعطاء المجلس قدراً من ‏الاستقلالية. وأجازت هيئة الشورى المذكرة بعد إجراء تعديلات طفيفة عليها، وكان ذلك مؤشرا بدخول الخلاف مرحلة جديدة .

بُذلت مُحاولات عديدة ومضنية للم الشمل وتصحيح المسار، وشارك في ذلك الكثير من الكوادر الحركية وغير الحركية من داخل السودان ومن خارجه ولكن كل هذه المساعي باءت بالفشل .

أستمر الأمين العام في رفض كل الآراء ومحاولات الإصلاح التي تخالف ما ذهب إليه، وتجمد الحال في البلاد، وأصبحت الأخطار تتهدد أول تجربة إسلامية في العالم السني، فلم يكن هناك بد من دعوة مجلس الشورى للإنعقاد وأختيار أمين عام جديد، حيث تمَّ أختيار البروفيسور إبراهيم أحمد عمر أميناً عاماً للمؤتمر الوطني.

رفض دكتور الترابي الامتثال لقرارات الشورى وانفصل بجزء من الصف الإسلامي منشيئاً حزب المؤتمر الشعبي .

رغم أنَّ الخلاف قد أفضى إلى انشقاق الصف الإسلامي، إلا أنه أدى إلى توحيد القيادة في المؤتمر الوطني و‏الاتعاظ من التجربة السابقة حيث تضخمت سلطة ‏الأمين العام، وبخاصة في فترة الانتقال من بداية الانقاذ وحتى اكتمال تكوين المؤتمر الوطني، وهي الفترة التي شهدت حل مجلس شورى الحركة وإبقاء أجهزة محددة تحت سلطة الأمين العام المطلقة .

تنادى نفرٌ من الإسلاميين لإعادة تكوين تنظيم الحركة الإسلامية (الكيان الخاص) في العام 2000م، وعقدت الحركة مؤتمرها السابع في العام 2004م واختارت الأستاذ / على عثمان محمد طه أميناً عاماً لها، حيث قام بإعادة بناء الحركة، وجددت له التكليف في المؤتمر العام الثامن في العام 2008م .

أُصبحت العلاقة بين ثلاثة تكوينات: ‏الحزب والحركة والحكومة. وتم تقسيم العمل بين الحزب والحركة بحيث تهتم الحركة بقضايا الدعوة والتربية والتوجيه، وتمَّ التركيز على تخصيص المهام والوظائف بين الحركة ‏والحزب وذلك لمنع التضارب، على أن يجمع الرئيس بين رئاسة الحزب والحكومة.‏

خاض المؤتمر الوطني بعد المفاصلة مفاوضات سلام مضنية مع الحركة الشعبية أنتهت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005م، ودخول الحركة الشعبية في المعادلة السياسية.

سعت الحركة لإحلال السلام عبر منح الجنوبيين حق تقرير المصير الذي تواضعت عليه كافة القوى السياسية السودانية، ورغم أنَّ حكومة الإنقاذ قد فعلت كل ما في وسعها لجعل خيار الوحدة خياراً جاذباً، إلاَّ أنَّ الجنوبيون قد صوتوا بنسبة (99%) لصالح خيار الانفصال، فلم يكن أمام الحركة وحزبها إلاَّ أن تفي بعهودها التي قطعتها من خلال أتفاقية السلام الشامل وتعترف بانفصال دولة الجنوب الذي ظلَّ منذ عام 1955م خارج الوطن، وكان وجود الحكومة في الجنوب مجرد وجود جيوش في المدن الكبرى.

بمثلما تمكنت الحركة من تجاوز آثار انشقاق الصف الإسلامي، تمكنت كذلك من تجاوز آثار أنفصال الجنوب، وحدث ذلك مرةً أخرى بالتفاف الشعب حول الإنقاذ واقتناعه بخياراتها السياسية والإقتصادية رغم قسوتها هذه المرة كذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الحركة الاسلامية السودانية - النشأة والتطور
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الهجرة الي الله :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: